محمد بن جرير الطبري

31

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يقول في قوله : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ يعني : الذين أسروا ببدر . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى من عدوه . حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ أي يثخن عدوه ، حتى ينفيهم من الأرض . تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا أي المتاع والفداء بأخذ الرجال . وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ بقتلهم لظهور الدين الذي يريدون إطفاءه ، الذي به تدرك الآخرة . حدثني أبو السائب ، قال : ثنا أبو معاوية ، قال : ثنا الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله ، قال : لما كان يوم بدر وجيء بالأسرى أسرى بدر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما تقولون في هؤلاء الأسرى ؟ " فقال أبو بكر : يا رسول الله قومك وأهلك ، استبقهم واستأن بهم ، لعل الله أن يتوب عليهم وقال عمر : يا رسول الله كذبوك وأخرجوك ، قدمهم فاضرب أعناقهم وقال عبد الله بن رواحة : يا رسول الله ، انظر واديا كثير الحطب فأدخلهم فيه ، ثم أضرمه عليهم نارا قال : فقال له العباس : قطعت رحمك . قال : فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبهم ، ثم دخل فقال ناس : يأخذ بقول أبي بكر ، وقال ناس : يأخذ بقول عمر ، وقال ناس : يأخذ بقول عبد الله بن رواحة . ثم خرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن ، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة ؛ وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم ، قال : فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى ، قال : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ الآية ، ومثلك يا عمر مثل نوح قال : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ، ومثلك يا ابن رواحة كمثل موسى ، قال : رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنتم اليوم عالة ، فلا ينفلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنق " قال عبد الله بن مسعود : إلا سهيل بن بيضاء ، فإني سمعته يذكر الإسلام فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع علي الحجارة من السماء مني في ذلك اليوم ، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إلا سهيل بن بيضاء " قال : فأنزل الله : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ إلى آخر الثلاث الآيات . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عكرمة بن عمار ، قال : ثنا أبو زميل ، قال : ثني عبد الله بن عباس ، قال : لما أسروا الأسارى يعني يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أين أبو بكر وعمر وعلي ؟ " قال : " ما ترون في الأسارى أسارى بدر ؟ " فقال أبو بكر : يا رسول الله هم بنو العم والعشيرة ، وأرى أن تأخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار ، وعسى الله أن يهديهم للإسلام . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما ترى يا ابن الخطاب ؟ " فقال : لا والذي لا إله إلا هوما أرى الذي رأى أبو بكر يا نبي الله ، ولكن أرى أن تمكننا منهم ، فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه ، وتمكن حمزة من العباس فيضرب عنقه ، وتمكنني من فلان نسيب لعمر فأضرب عنقه ، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها . فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ، ولم يهو ما قلت . قال عمر : فلما كان من الغد جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا هو وأبو بكر قاعدان يبكيان ، فقلت : يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك ، فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أبكي للذي عرض لأصحابي رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخذهم الفداء ، ولقد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة " لشجرة قريبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل